الشيخ حسن الجواهري

160

دعوة إلى الإصلاح الديني والثقافي

القطر قد عرف أيّ شكل من أشكال الحكم غير ما يفرضه الولاء للقبيلة . ثم إنَّ النبيّ صلى الله عليه وآله قبل البعثة لم يساهم في أي لون من ألوان النشاط الثقافي الذي كان شائعاً آنذاك من شعر وخطابة ، نعم عرف عنه أنه ملتزم بمكارم الأخلاق كالأمانة والنزاهة والصدق والعفة ، وقد عاش أربعين سنة في قومه لم يعرف عنه إلّاهذا . وجاء القرآن الكريم الذي شمل القيم والمثل والثقافة والتشريعات الإلهية التي هي أكبر من كل التشريعات الدينية وغيرها التي عرفها العالَم ، فحرّم الربا والاحتكار والاستغلال وأعلن : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ « 1 » في مجتمع يوالي القبيلة لا غير ، وتحدى كل البشر على أن يأتوا بسورة من هذا النصّ الإلهي ( القرآن ) وأعلن لهم أنهم لم ولن يتمكنوا أبداً ، قال تعالى : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ « 2 » وقال تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ « 3 » . وقال تعالى : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً « 4 » . بل في هذا القرآن من التصحيح للثقافات السابقة ، وجعل الفرد المختار الذي يسعى لمصلحته الذاتية متفانياً في مصلحة الجماعة التي تتناقض مع مصلحة الفرد ، وذلك يفتح نافذة على عالم الآخرة ( وهي ساحة العدل والجزاء التي يُحشر الناس فيها ليروا أعمالهم ) : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ

--> ( 1 ) الحجرات : 13 . ( 2 ) هود : 13 . ( 3 ) البقرة : 23 . ( 4 ) الإسراء : 88 .